محمد حسين علي الصغير

14

نظرات معاصرة في القرآن الكريم

يأتوا بمثل هذا القرآن ، فيسمى ذلك إعجازا بالصرفة ، وهو رأي المعتزلة « 1 » . ولكن الرأي الأمثل ، أن اللّه قد يسر جميع القدرات البيانية ، ووهب مستلزمات البلاغة للناس وتحداهم فلم يتمكنوا من الإتيان بمثل لهذا القرآن ، وذلك أبلغ في الاعجاز . فما هي وجوه هذا الإعجاز في القرآن وما هي مظاهره ؟ أحاول فيما يلي أن أضع ملخصا بأبرز وجوه الاعجاز ومظاهره على نحو الإجمال . 1 - الإعجاز الغيبي ، ويتمثل بما تحدث عنه القرآن الكريم بضرس قاطع في الأنباء عن الغيب الماضي والمستقبلي : أ - عرض القرآن سيرة الأمم السالفة وجزئيات أحداثها ، وكبريات أنبائها بلهجة الجزم واليقين ، فأخبر عن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وذي القرنين وأهل الكهف ، وقوم عاد وثمود ولوط وشعيب ، وجمهرة عظيمة ممن أصابهم عذاب الاستئصال بمجريات أحوالهم بما يعتبر كشفا لأدق التفصيلات التأريخية بما لا علم لأحد به على وجه الكمال ، وهي حالة لا عهد بها للمجتمع العربي في مكة ، مما جعلهم يتهافتون على هذه الأخبار ، ويتمثلون وقائعها بالمقياس التأريخي للإفادة من عبرها وأحداثها ومواردها . ب - وتحدث القرآن عن الأحداث المستقبلية بلغة التأكيد بعدة مناسبات أبرزها ، وقعة بدر سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ 45 « 2 » وغلبة الروم وانتصارها فيما بعد ألم 1 غُلِبَتِ الرُّومُ 2 فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ 3 « 3 » . وعن فتح مكة لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ « 4 » وهزمت قريش بعليائها وجبروتها في معركة بدر الكبرى ، وانتصر الروم على

--> ( 1 ) ظ : عبد الكريم الخطيب ، الاعجاز في دراسات السابقين : 176 - 178 . ( 2 ) القمر : 45 . ( 3 ) الروم 1 - 3 . ( 4 ) الفتح : 27 .